الرئيسية التسجيل مكتبي     الرسائل الخاصة البحث الخروج

   
العودة   منتديات السادة الاشراف في العالم > انشطة وتعريف > منتدى السيرة النبوية الشريفة
 


صحيفة المدينة

منتدى السيرة النبوية الشريفة


إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
 
  #1  
قديم 11-29-2011, 07:00 AM
سيد كيلان المشايخي سيد كيلان المشايخي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
المشاركات: 95
افتراضي صحيفة المدينة

صحيفة المدينة
قال ابن اسحاق لما هاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة بدأ في تطبيق بعض الإجراءات الأمنية والاجتماعية والسياسية، كان من بينها إبرام معاهدة مع يهود المدينة أو يهود يثرب كما كانت تعرف قبل هجرته، وهؤلاء هم بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير.
ويعتبر المسلمون هذه الوثيقة من أكثر الأدلة وضوحا على سماحة الإسلام في التعامل مع المخالفين له في الاعتقاد، وذهب بعض الباحثين المحدثين من المسلمين إلى الاستدلال بها على تقرير أنها أول وثيقة حقوقية، فيما اعتبرها آخرون منهم أنها عقد مواطنة متقدم على عصره.
وهذا هو نص الوثيقة كما أوردتها كتب السيرة والتاريخ الإسلامي:
"قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس.
المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (أي المثقل بالدين وكثرة العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.

وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.

وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (كبيرة) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم.

ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.

وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.

وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.

وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا.

وإن المؤمنين يبئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.

وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسها، ولا يحول دونه على مؤمن.

وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه.

وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا (مجرما) ولا يؤويه وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.

وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.

وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (أي لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيته.

وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.

وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وإن البر دون الإثم.

وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا.

وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه وإن النصر للمظلوم.

وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.

وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.

وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.

وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها.

وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.

على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.

وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة.

قال ابن إسحاق:

وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه.

وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم.

وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم.

وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
________________
المصدر
1 - السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص 150-151.
نقلا عن الجزيرة

صحيفة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة -دراسة لمحتواها ودلالتها على تنظيمهم
أورد ابن إسحاق، وهو أول من وصلنا كتابه مدوناً عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نصاً طويلاً لا يوازيه في طوله إلا معاهدة الرسول لأهل نجران، أطلق على النص اسم " صحيفة " و "كتاب" في تنظيم أحوال أهل المدينـة وعلاقتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع بعضهم، وهذا الكتاب نقله كله أو بعضه عدد من المعتمدين الأولين دون التشكيك في صحته أو تحليل محتواه، ومن هؤلاء أبو داوود في السنن وأبو عبيد القاسم ابن سلام في "الأموال " (6/203) وابن سعد في " الطبقات " (1-2/172) وابن عبد ربه في العقد، وابن حجر في " الإصابة " وابن كثير في " البداية والنهاية " وابن منظور في "لسان العرب" والمقريزي في " إمتناع الأسماع " وذكر هؤلاء المعتمدين لمحتوى الوثيقة يعزز صحتها على الرغم من أن كتب الصحاح الستة في الحديث، وكتاب الكافي للكليني لم تذكرها.
اعتبر معظم الباحثين بمن فيهم المحدثون المعاصرون أن الصحيفة قد وصلتنا وحدة متكاملة ولا يستبعد أنها كانت في الأصل مكونة من أقسام وضع كل منها في زمن، وأن جمعها في كتاب واحد، هو من عمل الرواة، وليس من الأصل، وإذا صح هذا الافتراض فإن الأقسام الأولى المتعلقة بتنظيم العرب المسلمين صدرت أولاً زمن معركة بدر، أما الأقسام المتعلقة بتنظيم أمور القتال، فتكون قد صدرت متوافقة مع معركة الخندق أو بعدها بقليل، علماً بأن معركتي أحد والخندق هددتا المدينة وتطلبتا تنظيماً عاماً لأهلها بمن فيهم اليهود.
كانت الصحيفة موضوع بحث عدد من المحدثين وبخاصة المستشرقين. فبحثها عدد منهم ضمن دراستهم لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأفرد بعضهم لها دراسات خاصة نشرت بشكل مقالات، منهم لين بول وولها وزن وكايتاني وموللر وجرمه ومجيد خدوري ويوسف هل. وأحدث الدراسات عنها ما كتبه آربري " الدين في المشرق الاوسط " ( كمبرج21/3-21)، وسارجنت في مجلة الإسلام 8/1-2/3-6، وفي بحثه المستوعب المعنون " السنة الجامعة" المنشور في مجلة مدرسة اللغات الشرقية بجامعة لندن سنة 1972 ص4-24 ثم نشر جل بحثاً عنها في " الحوليات اليهودية " سنة 1974. وعنى هؤلاء الباحثون بدراسة نصوص الصحيفة ودلالاتها وأشاروا باقتضاب إلى أسس تنظيمها. وهذا البحث هو محاولة لسد الفراغ في أبحاثهم لربطها من ناحية في أحوال المدينة ووضعها من ناحية أخرى ضمن سياق أحوال المدينة في أوائل الهجرة، وقد أفضنا في وصف الكثير من جوانبه في كتابنا " الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ".
وصفت الوثيقة بأنها " كتاب " 47،1، و " صحيفة (22) أي مدونة، وسنقتصر في بحثنا على تسميتها (الصحيفة ). وهي بيان من الرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيها اسم شخص من شهودها، وهي ملزمة للرسول صلى الله عليه وسلم وإنَّ عدم معارضتهم لها تعني موافقتهم الضمنية على ما جاء فيها.
أشار القرآن الكريم إلى العهود والمواثيق بين المسلمين وفرقاء آخرين، وطلب في كثير منها وجوب مراعاتها وتنفيذها، وندد بخرقها؛ ولعل كثيراً من هذه الآيات تشير إلى هذه الصحيفة " وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً " ( الإسراء:34) " الذين يُوفُونَ بِعَهد اِلله ولا يَنقُضُون المِيثاق " (الرعد:20).
وأشار القرآن بالذم إلى من ينقض العهد " إنَّ الذيَن يشْتروُنَ بِعَهْدِ اللهِ وأَيمانِهِم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهُم في الآخرةِ ولا يكلّمهم اللُه ولا ينظُرُ إِليهم يومَ القيامِة ولا يزكّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ (آل عمران 77)".
" أَوَ كُلّما عَاهدوا عَهداً نبذُه فريقٌ منْهم "(البقرة 100) " الذين ينقضونَ عهَد اللهِ مْنَ بعدِ ميثِاقِه " ( البقرة27) " إن الذين يشترونَ بعهدِ اللهِ وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئكَ لا خَلاق لَهمُ في الآخرة "(آل عمران 77) وَما وَجْدنا لأكثرِهِم مِنْ عَهدٍ وإِنْ وَجدنا أكْثَرهُم لفاسقينَ "(الاعراف102)" فَبِما نَقْضِهِم ميثاقَهُم وَكُفرِهم"(النساء155).
وذكر القرآن الكريم ولاء المؤمنين لبعضهم " والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهُم أولياءُ بعضٍ " (التوبة:71)، يروي أنس بن مالك أن رسول الله عقد حلفاً بين قريش والأنصار في بيته ويروي البلا ذري أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم " عند قدوم المدينة وادع يهودها وكتب بينه وبينهم كتاباً ". (1)
تعالج الصحيفة عدداً من أحوال أهل المدينة ونظمها وتحدد بعض مسؤولياتهم في النظام الجديد الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم.
تتكون الصحيفة من مجموعة فقرات يكون كل منها جملة كاملة، ويبدأ كثير منها بحرف العطف (و) وفي بعض الفقرات يذكر حرف العطف في وسطها دلالة على أن في الفقرة حكمين متكاملين ويتكرر مضمون بعض الفقرات تبعاً للعشائر والمجموعات في ما يتعلق بهم. ومحتوى الفقرات متباين. فبعضها وبخاصة ما يتعلق بالعرب تتكرر فقراتها بصيغة واحدة عن كل عشيرة، غير أنها بمجموعها توضح نظاماً شاملاً لجوانب متعددة من الاستقرار وشؤون الحرب والسلم ومفردات والوثيقة وصياغتها صياغة عربية خالصة بمفهوم معانيها في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. فهي تتسق مع ما كتب في رسائله الأخرى. ولم يذكر في الصحيفة اسم أي شخص سوى الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ذكر باسمه (محمد ) مجرداً(36)، ومحمد النبي(1)، ومحمد رسول الله (42، 47) وذكر من الأماكن يثرب/44،39،1 التي وردت في آية واحدة في القرآن الكريم (الأحزاب:13) (المدينة) التي ذكرت في ثلاث آيات (التوبة120، الأحزاب 60، المنافقون 8) وذكرت بمعنى عام كمركز استيطان في ست سور(الأعراف 123، يوسف30، الحجر67، الكهف19، 82، النمل48، القصص15، 18، 20، يس20) وذكرت المؤمنين في عدة فقرات (3،1-25،21،19،17،15 وما بعد38) والمؤمنين والمسلمين في فقرة واحدة (1) وذكرت من العشائر قريشاً (20، 1ب،43) وعدداً من عشائر أهل المدينة.
وذكرت المشركين في فقرة واحدة(20ب) والبطانة في فقرة واحدة(35) والموالي(46،14) ولم يذكر غيرها من الكتل الاجتماعية كالتجار والصناع. وكل هذا يشير إلى أن التجمعات البشرية الأساسية قائمة على أسس القبيلة أو الدين، علماً بأن أكثر فقرات الصحيفة تعالج الأمور الدنيوية بما في ذلك تجمعات القبائل والعشائر وعلاقاتها أو القضايا المتعلقة بالأمن والنظام.

تاريخ صدور الوثيقة

روى ابن الأثير أن الصحيفة أصدرها الرسول صلى الله عليه وسلم في اجتماع في بيت أنس بن مالك. (1) ولم يذكر الحاضرين في هذا الاجتماع الذي لا بد أن حضره عدد ممن شاركوا في بحثها وصياغتها، ولم يعترضوا على محتواها. ولم تحدد المصادر تاريخ الاجتماع. نقل نص الوثيقة عدد من المعنيين الثقات القدماء ونشرها محمد حميد الله، ووضع للفقرات أرقاماً اعتمدناها في بحثنا الحالي.

روى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم إلى المدينة وادعته يهود كلها، وكتبوا فيما بينهم كتاباً. فألحق كل قوم بحلفائهم وشرط عليهم ألا يظاهرو علينا عدواً.

فلما رأت قينقاع ما أكرم الله به رسوله بيوم بدر من هزيمة أشراف قريش حسدوه وقالوا: يا محمد، لا يغرك من نفسك أنْ نلت من قومك ما نلت منهم، إنهم قوم لا علم لهم بالحرب. أما والله لو حاربناك، لعلمت أن حربنا ليست كحربهم وأنا نحن الناس. وكان بنو قينقاع أول من نقض الشرط بينهم وبين رسول الله، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك سئم منهم وحاربهم(2). ولم يحدد غير هذا النص تاريخ صدورها. وقد حدد هذا النص زمن صدور هذه الصحيفة قبل معركة بدر، ووضعها ابن إسحاق بعد كلامه عن المؤاخاة، وكلا النصين يحدد زمن صدورها بالتقريب، وليس بدقة. وقد أشارت المصادر عند كلامها عن بعض الحوادث، إلى أحكام تشبه ما في الوثيقة. ومنها تدخل عبد الله بن أبي لتخفيف ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضه على بني قينقاع لأنهم حلفاؤه. وفي حوادث معركة الخندق، لم يشترك بنو قريظة في القتال، وكانوا حلفاء سعد بن معاذ الذي أومأ إليهم بما اعتزمه الرسول صلى الله عليه وسلم من إنزال عقوبات شديدة عليهم. وكل هذا يشير إلى أن أحكام الصحيفة كانت قائمة آنذاك ، ولا بد أن الصحيفة كانت صادرة بعيد الهجرة بزمن قليل لأن الرسول صلى الله عليه وسلم انشغل على أثر الهجرة بمعالجة استقرار المهاجرين، وفرقهم أفراداً على الأنصار في المؤاخاة. وإن اعتبار مهاجرة قريش في الصحيفة وحدة، قد يشير إلى أنها صدرت بعد إلغاء أحكام المؤاخاة التي تمت بعد معركة بدر. ومن المعلوم أن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم باليهود، إبان الأشهر الأولى من الهجرة، كانت سلمية. فكانت القبلة نحو بيت المقدس، وصام المسلمون في عاشوراء وهو يوم صلاة اليهود. ولعل كثيراً من الآيات التي تخص الكتاب الذي أنزل على موسى بالذكر الطيب وتشير إلى مكانة اليهود وأخبارهم، نزلت في هذا الزمن الذي لم يدم طويلاً، وتلته مماحكات يهودية ومجادلات وتحويل القبلة إلى الكعبة، وأمور أخرى لا بد أنها وسعت الشقة بين المسلمين واليهود وتطلبت معالجات تؤمن الاستقرار.

والبنود الكثيرة التي تعالج أمور السلم والحرب توحي أن الصحيفة صدرت بعد سرية نخلة التي كانت المرحلة الأولى من توجه الرسول لمقاتلة مشركي قريش. وقد أعقبتها معركة بدر التي كانت أول قتال مسلح للرسول مع أهل مكة، وقد أبرز هذا القتال الحاجة إلى تنظيم العلاقات القتالية مع اليهود. وهذا يقتضي الافتراض أن المواد المتعلقة بالعلاقة مع قريش صدرت بعد معركة أحد، أو لعلها كانت قائمة أو صدرت قبيل معركة الخندق.

امتداد أحكام الصحيفة

عالجت الصحيفة قضايا تنظيمية إدارية، ولم تمس بالعقيدة والدين، ولم تذكر أي شخص غير الرسول صلى الله عليه وسلم. وذكرت أنها " كتاب من محمد النبي". فهي بيان وليست معاهدة، وهي تلزم الرسول صلى الله عليه وسلم بتنفيذها. وعالجت ثلاثة ميادين رئيسية هي: العرب المؤمنون(2-23) واليهود(24-246،28) وأحكام عامة تتعلق بشؤون الحرب.

نصت الوثيقة أنها بين العرب والمسلمين من أهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم(1) وأنهم أمة واحدة من دون الناس(2) فهي تشمل العرب والمسلمين من أهل يثرب، وتمتد إلى من لحق بهم وجاهد معهم. فهي تشمل ثلاث مجموعات عربية هي (1) قريش( ويقصد بهم المهاجرين)(2) وأهل يثرب ( ويقصد بهم الأنصار)(3) من تبعهم، فلحق بهم وجاهد معهم. جعلت الوثيقة مهاجرة قريش مجموعة قائمة بذاتها، ولم تنسبهم إلى عشائرهم. ولعل مرجع ذلك قلتهم وتعدد عشائرهم، ثم تلت ذلك بذكر ثماني عشائر من أهل المدينة، بتسلسلهم: عوف والحارث بن الخزرج وساعدة وجشم والنجار وعمرو بن عوف والنبيت والأوس. وتكررت هذه الأسماء في مجموعات المتهودين، وحذف منها الخزرج وعمرو بن عوف والنبيت. وذكر في المجموعات المتهودة بني ثعلبة، ومن بطونها جفنة، وأشار إلى مواليهم، كما ذكر بني الشطيبة. وتكرر في قائمة المتهودين ذكر الأوس، وأضيف إليهم في أحدها مواليهم. والمقصود بالأوس غير واضح، فقد أطلقه النسابون على مجموعة عشائر تقابل الخزرج، كما أطلقوا على أوس اللات الذين تأخر إسلامهم ولم تشر إلى قسمي الأنصار: الأوس والخزرج. وإنما كل من هذين القسمين مجموعة عشائرية محشورة في القائمة دون أن تنفرد أو توضع في صدر القائمة. ووضع عوف في رأس القائمتين، متميزة عن عمرو بن عوف. وكرر في البند الخاص بكل عشيرة أنهم " على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين" (4-11) ثم ذكر أحكاماً تجري عليهم (12-15) ولم يحدد تعريف الطائفة التي لم تذكر في غير هذه البنود وهل هي مرادفة لعشيرة أم من أجزائها. أقر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه البنود متابعة العشائر في الإقامة برباعها الأولى، ولم يحدث تغييراً في الخطط، وثبت مشاركتهم الجماعية في العاقلة: وهي الدية عن القتل الخطأ الذي يرتكبه أحد أفرادها، وأضاف أنهم يفكون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين(27). ولم يذكر هذا التعبير في القرآن الكريم، وادعى أهل اللغة أن المقصود بالعاني أسير الحرب وهذا تفسير يوحي بكثرة الأسرى الذين يحدثون قلقاً واضحاً، غير أن مجرى الأمور لا يؤيد هذا التفسير، إذ إن القتال الكثير بين العشائر الذي ذكرته المصادر لم ينجم عنه كثرة الأسرى مما يبرر إفراده بالذكر، فلا بد أن العانين كانوا غير الأسرى، وكان وضعهم مقلقاً، فأفرده الرسول صلى الله عليه وسلم بالذكر.
وفي الفقرة (12) أمر المؤمنين أن لا يتركوا مفرحاً بينهم، بأن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل للغريب المحتاج ، فطلب من كافة المؤمنين أن يعطوه من الفداء أو العقل. وقد تكون أحكام هذه الفقرة معززة لما سبق، وهي تؤيد أن العاني هو الأسير وأن عليهم أن يفدوه.
تظهر هذه الفقرات أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهدف في تنظميه قلب النظم العامة في المسكن أو المشاركة في العاقلة والتعاون في مساعدة العاني والمفرح، وقد يكمل هذا ما نصت عليه الفقرة (12ب): لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، علماً بأن للولاء عند أهل الحجاز مفهوماً يخالف ما عند أهل العراق الذين يطلقونه في الغالب على الرقيق المستعبد.
وأكد الرسول وحدة المؤمنين على من يسعى بالبغي والظلم والعدوان والفساد، وأن الناس وحدة يجير عليهم أدناهم. وأن المؤمنين بعضهم مولى بعض دون الناس(15). ويمتد هذا إلى ما يتبع المؤمنين من اليهود فإن لهم النصرة والأسوة غير مظلومين أو متناصر عليهم (16) وهذا مبدأ أخلاقي (ذو أهمية بالغة في تمييز النظام الإسلامي).
استبعدت الوثيقة حماية الكفار فنصت الفقرة الرابعة عشرة " ولا يقتل مؤمـن مؤمناً بكافر ولا ينصر كافراً على مؤمن". وحكم هذه الفقرة يمتد على من لم يسلم من المدينة فضلاً عن غيرهم من الكفار.
ذكرت الوثيقة أسماء المجموعات دون أن تذكر خصائصها إلا ما ذكرناه عن جفنة بطن من ثعلبة،(32). كما ذكرت كثير من المصادر الأولى الموثقة والمعنية بالتراجم أسماء عدد كبير ممن في المدينة من مجموعات سكنية واقتصرت في وصف أكثرهم بأنهم من بني فلان، وخلطت في ذلك بين النسبة إلى الأسرة والعشيرة والقبيلة. ولم يردنا نص شامل بأسماء المجموعات في ديوان العطاء الذي وضعه الخليفة عمر بن الخطاب. وأشارت المصادر إلى بعضه، وعلى هذا فيمكن الجزم بدقة ما ذكرته الوثيقة، وأن هذه المجموعات كانت قائمة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده، ولكن لا يمكن الجزم بأن هذه القائمة كاملة، فلعلها أغفلت ذكر مجموعات كانت قائمة، ولم تذكر في الوثيقة لاعتبار القائمة كلاً من الخزرج والأوس مجموعة عشائر، ولم تضع أياً منها في رأس القائمة. وإنما وضعت عوف في رأس القائمة وبهذا خالفت ما سـاد في المصادر من تقسيم عرب المدينة إلى قسمين رئيسيين: الأوس والخزرج مما يثير التساؤل عن تاريخ ظهور هذه التسمية ودوره.

أحكام الصحيفة في اليهود والمتهودين
خصصت الصحيفة لليهود مواد كثيرة بعضها متشابهة إلا في أسماء العشائر، وبعضها متفرقة. ومرجع هذا كثرة عددهم وتعدد نشاطاتهم وتميزهم بأثر العقيدة ودورهم في الحياة الاقتصادية وتشابك مصالحهم مع عرف أهل المدينة.

استوطن اليهود المدينة في زمن مبكر لعله يرجع إلى القرن الثاني قبل الميلاد. ولم تشر المصادر الخارجية إليهم أو إلى علاقتهم بمن في خارج المدينـة من أبناء دينهم. وكان لهم عند الهجرة بيت مدراس وربيون وأحبار وعلماء أشـاد القرآن الكريم بعلم بعضهم وبالموقف المعاكس الذي وقفه كثير منهم. وكانت لهم تقاليد دينة خاصة، إلا أن أكثر أسمائهم عربية. وكونَّ بعضهم مع العرب علاقات سياسية خاصة أكثرها لحمايتهم وتأمين معيشتهم(1).
نقل السمهودي عن رزين عن الشرقي أن اليهود في المدينة كانوا تسعاً وعشرين قبيلة، ونقل عن ابن النجار أنه كان لهم تسعة وخمسون أطماً وللعرب النازلين عليهم قبل الاتصال ثلاثة عشر أطماً(2) وهذا يدل على كثرتهم وعلى سعة التهديد الذي كانوا يشعرون به. ويذكر السمهودي أن أهل يثرب كانوا جماعاً من اليهود وقد بادوا فلم يبق منهم أحد.

وذكر مواضع منازل عشرين عشيرة يهودية هي قينقاع والنضير وقريظة وعمرو وهدل ومرابة وزعورا وحجر وثعلبة والجذما والقصيص وناغصة ومريد وماسكة ووائل ومحمم وزيد اللات وعكوة والعنابس ووالج وذكر منهم ناساً براتج وبزبالة ويثرب وأن جمعهم في زهرة وجمهورهم في يثرب(3) ويلاحظ أن كافة أسمائهم عربية.

ذكرت المصادر عن بني قينقاع عندما أقصاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة أنهم كانوا ستمائة وذكر السمهودي أن زهرة كان فيهم ثلاثمائة وخمسون صائغاً ولا يمكن الجزم بأن عدد رجال كل عشيرة يهودية كان قرابة خمسمائة كالعشائر الثلاثة التي ذكرتها إلا أنه لا بد أن هذا العدد غير قليل، ويبدو أن اليهود لم يكونوا متكتلين متعاونين في صد الأخطار التي تهددهم فلجأ كثير من عشائرهم إلى التحالف مع العشائر العربية أو رجالها البارزين من أجـل الحماية وضمان السلامة. فالديانة التي جمعتهم في العقيدة لم يكن لها دور ملحوظ في تكتيلهم سياسياً وأمنياً.

وذكرت كتب السيرة عدداً من علماء الدين والبارزين في كل عشيرة ولم تذكر رؤساءهم وأصحاب العقد فيهم. قاتل الرسول كلاً من قينقاع والنضير وقريظة ودحرهم بعد قتال دام أياماً، لم تنجد أياً منهم العشائر اليهودية الأخرى، مما يدل على تفككهم السياسي الذي عالجه بعضهم بالتحالف مع العرب من أهل المدينة طلباً للحماية. ولم يرد ذكر لمحاولة استنجادهم بغير أهل مكة للحصول على هذه الحماية، مما يدل على ضعف صلاتهم بالقوى السياسية القائمة آنذاك بمن فيهم اليهود المقيمون في عدد من مناطق الجزيرة: ولعل من أسباب ذلك أنهم كانوا يعملون في الزراعة في يثرب أو في التجارة والذهب من دون أن يكون لهم طموح سياسي، وأن تصرفهم كان مثار ريبة فلم ينجدوهم. ذكر السمهودي أن أهل يثرب كانوا جماعاً من اليهود بادوا فلم يبق منهم أحد ولم يذكر هو أو غيره سبب هذه الإبادة، كما أن المصادر لم تذكر مصير العشائر اليهودية الأخرى(1) ، ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في آخـر حياته لا يجتمع في الجزيرة دينان. وأن عمر بن الخطاب نفذ ذلك فأقصاهم، ولكن كتب التاريخ لا تذكر أن عمر أقصى غير أهل نجران من شمال اليمن إلى أطراف الكوفة حيث منحهم أرضاً يقيمون فيها وحدد ما يؤخذ منهم من ضريبة (الخراج لأبي يوسف: 7، 2، 110، فتوح البلدان:66 ،الطبري: (1، 2595) وتجدر الإشارة إلى أن التناقص في السكان لم يقتصر على يهود المدينة، وإنما امتد إلى العرب الأنصار فيها. وكانت آثاره واضحة منذ أوائل القرن الثاني لأسباب غير سياسية نجهلها.
وخصت الصحيفة اليهود بعدة بنود يمكن تصنيفها صنفين: نصت في أحدهما على أنها تتعلق بيهود عشائر عربية، والأخرى يهودية إطلاقاً، فأما الصنف الأول، فقد صيغ على غرار صياغة العشائر العربية، إذ إنه وضح في البند الأول ما على كل عشيرة معينة. واكتفى في البنود التالية بذكر العشائر، وكرر كل ما لها مثل العشيرة الأولى. ذكر في هذا الصنف " وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته (25). وكرر هذا الحكم على كل من يهود بني النجار (26) وبني الحارث (27) وبني ساعدة (28) وبني جثم (29) وبني الأوس (30) وبني ثعلبة (31) ونص في الأخير على الحكم فيهم.

وكرر في الفقرة (46) وأن يهود الاوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة من البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه وإن الله أصدق على ما في هذه الصحيفة وأبره " ومحتوى هذه الفقرة يشبه الأحكام على العشائر السابقة ولكنه لا يطابقه لأسباب غير واضحة.

إن العشائر المذكورة في هذه البنود تتطابق، وبنفس التسلسل مع قائمة عشائر العرب المذكورين في أول الصحيفة، سوى أنه حذف من قائمة المتهودين عمرو بن عوف وقال في الفقرة التي تيلها " وهو النبيت " ولعل هذا الحذف من خطأ النساخين ولا نعلم الأساس الذي قام عليه هذا التسلسل.

اضافت الصحيفة على قائمة من أسماهم يهود العشائر العربية أن ليهود بني ثعلبة ما ليهود بني عوف (31) وأن جفنة بطن من ثعلبة (32) وأن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأن البر دون الإثم(33) وأن موالي ثعلبة كأنفسهم(34) وأن بطانة يهود كأنفسهم (35) ولا نعلم فيما إذا كانت جفنه وثعلبة حذفت من الأصل أم من خطأ النساخ.

خصت الصحيفة بني ثعلبة بتفاصيل فذكرت أن جفنة بطن من ثعلبة (22) وأن موالي ثعلبة كأنفسهم ولم تذكر كتب السيرة والنسب جفنة من عشائر المدينة، ويوحى اسمهم بصلتهم بجفنة ملوك الغساسنة وقد يدل على أنهم قدموا المدينة واستوطنوها بعد زوال دولة الغساسنة.

ذكر السمهودي ثعلبة وخطتها في المدينة(1) ، أما الشطيبة فلم تذكر المصادر سوى ما قاله السمهودي: الشطيبة مال ابن عتبة بجنب الأعواف(2).

ذكرت الوثيقة في كل من هذه العشائر بعد اسمها أنهم أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.

أشارت الصحيفة إلى الموالي في كل من العشائر المتهودة (29-33) ونصت على أن موالي ثعلبة كأنفسهم (34) " يهود الأوس مواليهم وأنفسهم(46). ولم يرد هذا في قائمة العشائر العربية، وإنما أفردت فيها للموالي فقرة مستقلة "، لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه (12ب) وهذا يشير إلى وجود الموالي في مجموعات العشائر العربية، وليس من المصادر ما يشير إلى سبب الاختلاف في الصيغة عن الموالي وتفردت الصحيفة بذكر " بطانة اليهود كأنفسهم " ولم تذكر البطانة في القرآن الكريم أو في أي بند آخر من الصحيفة علماً بأن المقصود بها غير واضح إذ إن ظاهر النص " يهود بني" يشير إلى أن المذكورين هم عرب من العشائر التي كررت ذكرها بنود الوثيقة، وأنهم كانوا وحدة متميزة في كل عشيرة كثيرة العدد مما استلزم إفرادهم، غير أن كافة المصادر لم تشر إلى مثل هذا الانتشار لليهودية بين كافة عرب أهل المدينة تقريباً، كما أن الأنصار عاداهم بعض المسلمين، ولكن هؤلاء المعادين الذين ذكروا مثالب الأنصار لم يشيروا إلى أي متهود منهم وهذا يرجح أن هؤلاء اليهود لم يكونوا من العشائر العربية وإنما كانوا حلفاءها وارتبطوا بها التماس الدعم لهم وحمايتهم. ويلاحظ أن الصحيفة لم تذكر يهود بني عمرو بن عوف الذين كان لبعضهم مواقف قلقة، منها تشييدهم مسجد الضرار في خططهم، وهو ما ذكره القرآن الكريم في معرض الشجب. ولعل ذكرهم في الصحيفة هو إقحام من ابن إسحاق الذي اتهمه البعض في دس أخبار يهودية في كتابه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. فأما اليهود فإنهم ميزوا عن الأولين من حيث إنهم ذكروا مفردين دون أن يرتبط ذكرهم بعشيرة أو مكان، أطلق عليهم اسم واحد "اليهود" ولم يسموا " هود " " والذين هادوا " أو " بني إسرائيل " وهي تعابير ذكر كل منها في عدة آيات من القرآن الكريم. والبنود التي تخص اليهود تنص على أن "من تبعنا من اليهود فله النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم" (16) وهذه الفقرة تلزم المسلمين بنصرة من تبعهم من اليهود، وظاهرها لا يلزم اليهود بنصر المسلمين إلا أن المادة التالية من الصحيفة تلزم المسلمين واليهود " أن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم(37) ولا يأتم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم(37)" فهي تقصر النصر على الحرب الدفاعية فيتبادلون المشورة والنصح والنصحية من دون مراعاة مصالح الحلفاء، وإن النصر للمظلوم. وتطبيق هذه المادة من مصلحة المسلمين لأنهم هم المعرضون للحرب أما اليهود فلم يكونوا معرضين لها. وهذه النظرة تسود على الحلف وتبطله.

تنظيم الأعداء للقتال

نظمت الصحيفة أمور نفقات الحرب في ثلاث مواد، وأن اليهود ينفقون على المؤمنين ما داموا محاربين (24، 38) وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم(37) وعلى كل أناس حصتهم من جانبهم الذي من قبلهم(47).

تعالج هذه المواد نفقات الحرب وتظهر أن هذه النفقات لا تقتصر على ما يجهز به المقاتل نفسه من مستلزمات، بما فيها الأسلحة، ونفقات الإعاشة، وإنما تمتد إلى نفقات عامة تؤديها الجماعة وإن كانت تجبيها من الناس بطريقة غير واضحة. وهي تدخل عند المسلمين في إطار الآيات القرآنية الكثيرة التي حثت المسلمين على الإنفاق في سبيل الله، وهو إنفاق يعززه المنفق ويدفعه للأفراد المقاتلين والرسول صلى الله عليه وسلم ليقوم بدوره بتجهيز الأعداد المقاتلة.

تدل بنود الإنفاق وتنظيم شؤون الصلح أن الصحيفة كتبت بعد ظهور الحاجة إليها، أي بعد معركة بدر. وربما بعد معركة أحد. وخصت الصحيفة أحوال الحرب والقتال والصلح والسلم بثمانية مواد، أكثرهم في آخر الوثيقة ممـا يشير إلى أهميتها. وقد يدل على أنها صدرت بعد معركة أحد، حين تهددت المدينة وأظهرت أهمية تماسك أهلها بمن فيهم اليهود ومشاركتهم في صد الخطر الذي لا يقتصر تهديده على العرب والمسلمين وإنما يمتد إلى اليهود.

وأحكام هذه المواد من مصلحة المسلمين لأنهم هم المهددون، غير أن هذا لا ينفى احتمـــال وقوع اعتداء على اليهود يكون المسلمون ملزمين بحمايتهم لأن انهيارهم قد يؤثر في مكانة المسلمين.

ذكرت الغازية في بند واحد من الصحيفة " وكل غازية غزت معنا يعقب بعضهم بعضاً(18) "، وتفردها في الذكر قد يشير إلى ضعف أهميتها لأنها غزوة أي حركة عسكرية قد تكون هجومية، ولكنها يعقب بعضهم بعضاً، وهو تعبير معناه غير واضح. ذكرت الحرب ومشتقاتها في أربعة بنود مما يدل على أهميتها، وأكثرها تتعلق باليهود، فقد نصت على وجوب مشاركتهم في قتال من حارب أهل هذه الصحيفة(37) وقد يتصل بالحرب تعبير النصر أي الإنجاد حيث نصت الفقرة (44) " بينهم النصر على من دهم يثرب. فهو شرط ملزم لهم بالمشاركة مع المسلمين في الحرب على من يدهم يثرب ويهجم عليها " وخصصت ثلاث فقرات لتنظيم نفقات الحرب " اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين معهم " (37، 38، 44). وتظهر هذه المواد أن الحرب كانت مكلفة لا يسدها تجهيز المقاتل نفسه بالسلاح وإنما يتطلب إضافة إلى ذلك نفقات عامة من الصعب توفيرها في المراحل الأولى. وتشير الآيات الكثيرة التي تَحُضُّ أفراد المسلمين على الإنفاق في سبيل الله أنها كانت طوعية في مقدارها، ولكن الحث عليها يجعلها ملزمة.

عالجت أمور الصلح فقرتان: أولاهما متصلة بالعرب والمسلمين " سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم".

تنص الفقرة (45) إذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه إلا من حارب في الدين(45). وهذه الفقرة تشير إلى نوعين من الحروب أحدهما يجوز لهم الصلح فيه والثاني من حارب في الدين فهي لا تترك سائبة لهم، وإن كانت المادة لا توضح الحكم فيها وهي محصورة بالدين الإسلامي لأن اليهود لم يكونوا يحاربون عن دينهم.

بنود عامة

في البنود الأخيرة عدّد أحكاماً عامة على أهل المدينة، وكثير منها يشمل العرب واليهود فذكر أن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة(39). وسياق البحث يدل على أن هذا الحرام أقر لأسباب سياسية وإدارية وليس لأسباب دينية إذ إن المدينة كان سكانها من العرب واليهود. والدين الإسلامي يدعو إلى السلم عاماً، غير أن الإسلام في هذه العهود المبكرة كان مقتصراً على المدينة فحسب، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يطلب ممن يسلم أن يهاجر إلى المدينة ويقيم فيها. وظل شرط الهجرة قائماً إلى أن أبطل بعد فتح مكة علماً أن توسع الإسلام بعد الحديبية امتد إلى أكثر عشائر الحجاز. ولم يجير الرسول صلى الله عليه وسلم من أسلم آنذاك على الهجرة إلى المدينة، ولكن بلادهم لم تدخل في الحرم الذي ظل مقصوراً على المدينة.
ولا بد أن تميز المدينة بالحرم لم يراع بعد ذلك والحرم يؤمن الحرية والحماية لمن يقيم فيه. وكان ذلك من واجب الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لأن الصحيفة تلزم الرسول صلى الله عليه وسلم بتنفيذها، وبذلك كانت له سلطة في تنفيذ أحوال كان من مصلحة اليهود الالتزام بها، مما يعزز سلطته. ومما يتصل بذلك أن الصحيفة نصت على أن أهل المدينة بينهم النصر على من دهم يثرب (44) والدهم هو الغزو والمباغة.
ونصت الفقرة (47) على أنه: من خرج آمن ومن قعد في المدينة آمن…وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله. إن هذا الأمن والجوار لا يسري على قريش أو أمن من نصرها(43). والمقصود بقريش أهل مكة الكفار ويمتد هذا المنع إلى أموال قريش " وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن " (20ب) وقيد الإجارة على مال قريش مقصور على المشركين ولا ينص على امتداده إلى اليهود.
نصت الفقرة (36) " وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد " وهذه الفقرة تتلو الفقرة التي تعالج أحوال اليهود، فهي مكملة لها، ولكن ظاهرها لا ينسجم مع أحكام الفقرات الأخرى التي تفرض مثل هذا القيد عليهم، وهذه يدل على أن رواية الفقرة مبتورة تتطلب إكمالها بتحديد الأحوال التي يمنعون فيها من الخروج بغير إذن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحكامها تناقض ما في الفقرة (47) من أمان من يخرج من المدينة ويقعد فيها.
مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيفة
حددت الفقرتان (23،42) ما يرجع في البت فيه بالاختلاف. (23) ونصت الفقرة(42) بأنه الحدث أو الاشتجار الذي يخاف فساده، أي الذي يؤدي إلى فسـاد واضطراب المجتمع. ولم ينص على مالم يؤد إلى الفساد الذي يكثر ويتنوع في المجتمعات ولكنه محدود بأفراده ومحصور في نطاقه. ولعل القصد من إغفال ذكره ترك حله إلى الأعراف مما هو " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " مما يمارسه الناس وفق تقاليدهم على أن لا ينافي توجيهات الإسلام، ولا يمكن حصره وتقييده. فهذه المواد تحصر تدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في الاختلافات التي يخشى فسادها أي اتساعها مما يؤدي إلى فساد المجتمع. وهي في الغالب سياسة، وفيها خطر على استقرار المجتمع، وليس على أفراد محدودين، علماً بأن الوثيقة اقتصرت على ذكر المجموعات من العشائر وعلى اليهود. فلم تذكر غيرهم من المجموعات الدينية بمن فيهم النصارى والصابئون والمجموعات التي ذكرها القرآن. مما يدل على أنهم لم يكن لهم دور فاعل في المدينة في هذه الفترة المبكرة من الهجرة. ولم يرد في الوثيقة اسم شخص أو منصب محدد مما يشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يهتم بالجماعة والأمة من دون الأشخاص " وإنكم مهما اخلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد (23)" وما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد، وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله (47)" واليهود لا يخرج منهم أحد ألا بإذن محمد (26).
طلبت الوثيقة إرجاع الحكم في الاختلاف إلى الله وإلى محمد، وذكر الله تعالى في هذه البنود يسبغ عليه صفة قدسية عليا على كافة المسلمين واليهود. فهو قائم على المبادئ الدينية المعززة للأخلاق، والمصالح العامة التي تتجلى في جانبها العلمي على ما نزل فيه القرآن : أي على المبادئ الإسلامية التي يحددها ما أنزله تعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم. وسمي في البنود الثلاثة باسمه محمد، وفي الفقرة (47) بإضافة كلمة رسول الله التي لم تذكر في البنود الأخرى ولعلها إقحام من الناسخ وأن الاقتصار على اسمه فحسب إرضاء لمن تطبق عليه من غير المسلمين بمن فيهم اليهود الذي خصت الوثيقة عدة بنود في تنظيم مشاركتهم: وهذا يقضي أن يكون صدورها أو ما يتصل باليهود منها تم بعد معركة بدر. وقد يؤيد هذا أن الوثيقة لم تذكر العشائر اليهودية الثلاث قينقاع والنضير وقريظة التي أقصاها الرسول صلى الله عليه وسلم بين معركتي بدر والخندق ، علماً بأن فشل مشركي قريش في معركة الخندق شد من عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم وقال " لا يغزونا بعد هذا أبداً " وكان هذا هو الواقع فقد تخلخل حماس مشركي قريش وضعفت معنوياتهم، واتسع نشاط الرسول صلى الله عليه وسلم في مد سلطان دولته على العشائر المقيمة بين المدينة ومكة وخاصة. وكل هذا يدل على أن الكتاب أول ما يخص اليهود منه على الأقل صدر بعد معركة الخندق.
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وقائدنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وندعوالله ان يكون عام 1433هـ خير لامتنا .
المصدر :د صالح أحمد العلي
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...

   
 

Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond
سالم عبدالله السعيدي مدير ومؤسس منتديات السادة الاشراف في العالم ...2008